منتديات الأردن

منتديات الأردن (http://www.jor1dan.com/vb/index.php)
-   القسم العام (http://www.jor1dan.com/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   الإقامة في اليتم (http://www.jor1dan.com/vb/showthread.php?t=318701)

المحكوم بالامل 07-29-2009 12:46 PM

الإقامة في اليتم
 
الإقامة في اليتم


كلّ إقامة تحيل على مكان ما. للمكان طاقة انتماء، وطاقة امتصاص وكتم، كتلة حيّزٍ وفراغ، مدى طبيعة، ومرايا عبور وقت. تستضيف الأمكنة الإقامةَ على أحوالها المختلطة والأزمنة على طبيعتها التي لا تني تمضي وتتحول. ثمة من يعضّ الآخر، يهدّده، ينميه أو يخسفه! والأزمنة هيئاتٌ كبرى دائرة، تمضي أو تلتفّ، تتبدل، تمحو الأثر الضئيل، وتنتج الأمكنة على هيئة المقيم وفعله تحولاً أو محواً أو إنتاجاً. أن تقيم يعني أن تسكن. في السكنى معنى الهدوء والإحساس بالأمن، لكن الإقامة في اليتم كمكان داخلي ونفسي خاص، هي عين الإقامة في ما هو مبتور، وناقص، ووحيد. اليتم، على قطعه الصلة بالأب الطبيعي والنسب الإجباري، مكان وحشةٍ تامة وعكوفٍ على نقاء مرير. اليتم تأكيد عضوي وقاتم على غياب المرجع والأصل. تأكيدٌ خاسر على أصل غائب من جهة الخسارة الكاملة لا من جهة أمل الاستعادة. يتمٌ نقاءٌ من ضراوة الحرمان وروح الألم وبرد العزلة وخيبة الحنين. اليتم تمزّقٌ أقصى نحو صفاء بلا حدود. وبالإقامة في اليتم تتحول الإقامة نفسها إلى تمزق ووحدة وصفاء وخسارة. اليتم يوهن الانتماء، إذ يظل مشغولاً باستحالة كل انتماء آخر، ويخمد الصلة حين تكون الصلة حزناً داخل الحزن، وخيبة تلو أخرى. اليتم يفقد الانتماءَ عضويته وفضاءه وماديته الآنية. اليتم انتماء خارج الزمن لفرط ما هو مشغول به، انتماءٌ في محو الزمن ونحته الذي هو صلةٌ سيالة عمياء وتعاضٍ متعاقب وفضاء مفتقد وآنية حاجبة وتحيين خانق. واليتم بما عليه من خسارة أكيدة، يضاعف الألم، يكثّف الصمت المرافق للصمت الأبدي، يرقّق الأسى، بل يكاد يلغي الانتماء إلى كل ما ليس يتماً بحق. لكن اليتم قناع حنين محتار وعلامة تلهّف محموم. اليتم، أيضاً، حاجة إلى انتماء ما عاد ممكناً استعادته أو صنعه، أو استبداله. اليتم خيبة تذكِّرٍ حرّ، طاقة تذكِّر حرّ. هنا، ألا تلتقي الإقامة في الشعر مع الإقامة في اليتم بما عليه الشعر من غياب وخسارة وحرمان وحنين وتذكر؟ الشعر على هذا النحو طاقة من طاقات اليتم بما عليه اليتم طاقة من طاقات التذكر الحر. وما هو التذكر الحر إن لم يكن الابتكار الذي يتغذى من جسد اليتم. ليس اليتم من فعل الطبيعة إلا إذا كانت الطبيعة كل هذا الإسراف، وكل هذه اللامبالاة. اليتم عمل لا يعرف الرأفة ولا العدل، غير أنه لا يفكر بغير ما هو رؤوف وعادل. أليس الشعر في معنى منه على الأقل، خلقاً وتذكراً، واستعادة مستحيلة. تذكُّرُ العابر والمنسي، واستعادة المفقود والممحو، وخلق ما هو صامت مما هو حزين، وما هو مشرق مما هو زائل. ألا يكون الشعر هنا عملاً من أعمال التنقيب والفحص، الانشغال بالماضي، والماضي وحده كاليتيم؟ وإذا كان الأمر كذلك فإن كل شعر هو تمزق ووحدة وبتر ضد ماض لا يذكّر بسوى فناء كل ماض. كل شعر حفر وتنقيب وكسر. الشعر لا يعرف الأمل ولا عبودية العمل ولا التعدد الممدوح ولا اكتمال النسيج وعافيته. الشعر نظر في الممزق والوحيد والمبتور والخاسر الوحيد. الإقامة في اليتم، كالإقامة في الشعر، هي الإقامة في الجرح والخسارة، في الوحدة الهائلة، في المرض الأكثر إحراجاً، المرض الذي وصفه ت. س. إليوت في مقطع من رباعياته الأربع، بأنه عافية الشاعر الوحيدة، وهي الإقامة الممكنة الباقية، والأشد قسوةً لجسد الشاعر كيتيم، وكيتيم فقط. الشاعر الذي ليس له سوى جسده منذ أن غدا يتيماً. وإذا ما فقد اليتيم – الشاعر مكانه الأولي فإنه يزداد تعلقاً بجرحه النفسي الأقرب والأصعب؛ إنه المكان الأوسع للإقامة في الحياة واللغة على السواء حينما تكون الحياة العامة خنقاً مستمراً وإتلافاً شرساً. أليست القصيدة رغبة في قول ما للأب – وعد اليتم المحقق؟ الأب (السلطة، العادة المقيدة، أطياف الماضي، الشعب، ثقل المجتمع، وعبء التاريخ). أليست السلطة، على ثرائها المتكالب المتنامي والمخيّب والمخزي، هي هذا الصمت المهيمن والأخلاق المسيطرة والشعب المقطوع والمجتمع الثابت المنخور؟ بذا ألا تكون الإقامة في الجرح، بما هو ناتج من اليتم، هي الإقامة في الرفض بما هو بقاء على الجرح والحد والألم. ثم أليس كل هروب من الجرح هروباً من الرفض، من رغبة وحاجة البراء من الجرح؟ أليس الرفض شكلاً من أشكال الكسر والخلع، كسر الفكر وخلع العقل؟ أليس الرفض طريقة في ضرب وجودٍ ما، حركة نحو مجهولٍ لم يعرف بعد؟ مجهول يظل يتقدم ويغري ويخيف ويقلق مثلما هو اليتم قلق في الأصل، مرارة من فقدان الأصل؟ ألا تكون الإقامة في الجرح - الرفض هنا إقامة في الكشف، القلق، في الحاجة إلى الكشف؛ مما هو مستور ومقطوع، ومسيطر، وصامت، وبات؟ الشعر يكسر لا الألفة وحسب، بل إمكان ادعاء كل ألفة، وفي الكسر يحيا ويقيم. الشعر قيامةٌ وتواصلٌ وتجافٍ في اليتم، إقامةٌ الآن، وعدٌ في الإقامة في اليتم الذي هو صفاءٌ يشبه الغياب، وفراغٌ أكلُهُ امتلاءٌ بلا فم، وتوحشٌ بلا وجه. القصيدة – الشعر، بإقامتها النزيهة في اليتم، أبٌ أعمى يخرجُ من نداء أبٍ ميت. القصيدة، تبعاً لجرحها اللامندمل واللامنتمي، وغير المستشفق ولا المستصدم، ولا الصارخ، تذكِّرُ بمحنة بقاء اليتيم مزهراً ومريضاً بيتمه. الإقامة في اليتم لا تزهر غير نوع جديد من شكوك نقية، نوع آخر من السفر الصامت في مادة الهواء الغاضب والصامت والحزين، سفرٌ في هواء جبال مسافرة. اليتم يدفع الجبال إلى السفر مثلما ترفع الريح الغبار إلى السماء، ويكلم الأطفال أشباحَ أعمارهم المرحة الزائلة. أشباح تزول وتمحى لفرط ما هي رقيقة وشغوفة. ماذا يبقى للمؤرقين والمتوحدين والتعساء المقيدين بصفاء نادر والمحاصرين بالشعر غارقين في دم زهور برية غير صبرٍ قوي، ونحت في بلاهة كل ما هو قوي، وغضب أشدّ رأفة من كلِّ عزاء ¶

لؤلؤة العقبة 07-29-2009 12:59 PM

[align=center]كلام رائع


مو عارف احكي غير هيك

سلمت هالأنامل

::\\:: مودتي .... لؤلؤة ::\\::[/align]

لؤلؤة العقبة 07-29-2009 01:00 PM

[align=center]كلام رائع


مو عارف احكي غير هيك

سلمت هالأنامل

::\\:: مودتي .... لؤلؤة ::\\::[/align]

ابو شقب 07-29-2009 02:38 PM

يعطيك العافية أخوي على الموضوع


قمة في الروعة


بانتظار جديدك الرائع




تحيااااااااااتي العطرة

المحكوم بالامل 07-30-2009 11:42 AM

الصديقة المبدعة لؤلؤة
اشكر لك حضورك وتعليقك الجميل والمعبر
تقبلي تحياتي
دمت بود

المحكوم بالامل 07-30-2009 11:42 AM

الصديق ابو شقب

اشكر لك حضورك وتعليقك

دمت بود

نجمة المنتدى 07-31-2009 03:57 PM

[align=center]مشكور منذر على الموضوع المميز [/align]

المحكوم بالامل 08-01-2009 09:21 AM

الصديقة المبدعة النجمة نور

اشكر لك حضورك وتعليقك

دمت بود

تموز 08-01-2009 10:09 AM





لخصت المقال بالآتي :
الوجود , عدم امتلاكنا للخيار

المقال بمجمله وبحد ذاته يشير بأننا في حالة حتمية محددة ..
كان من الممكن بأن أرد عليك / هذا خيار أول
وكان من الممكن أيضاً أن أتجاوزك وبكامل إرادتي / وهذا خيار أخر ..!

كوني أملك خيارين , فهذا يعني بأني أملك الوعي والحرية في التفكير
طالما كان هناك مجال آخر لسلوك طريقين مختلفتين ..
أي بمعنى آخر بأن توفر أكثر من قرار لدي يدل على نفي تلك الحتمية
بحيث لاتجتمع الحتمية في أمرين أو قرارين يحملان بين جعبتهما التناقض دون الإمتزاج ..!

مع التحية والشكر لك أخي المحكوم

المحكوم بالامل 08-02-2009 08:33 AM

الصديق المبدع ارق
اشكر لك حضورك وتعليقك
واضافتك تدلل على حجم الوعي الذي تتمتع به
افتحر بهذه الاضافة التي افادتني الكثير
دمت بود


الساعة الآن 07:32 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar