[align=justify]
ما الذي يحدث في الأردن؟!
فتاة تعتزم الانتحار فتخبر قناة تلفزيونية وتتصل بالأمن العام مسبقا وتحضر معها حقيبة مليئة باللوازم وزجاجة ماء ثم يتجمهر الناس وتحتشد الصحافة وتصبح الموضوع الرئيس لمجتمع يحفل بقصص مفجعة لا تخطر بالبال، ثم تكافأ على فعلتها هذه فيتطوع سفير النوايا الحسنة لمساعدتها ومدها براتب شهري لها ولأسرتها والإنفاق على دراستها الجامعية، وهو ما يشجع آخرين على القيام بالشيء ذاته في محاولة لاستنساخ تجربة الانتحار الفاشلة، عفوا الناجحة، لنحصل على مجموعة من المقلدين الذين يحلمون بنيل ما نالت ولفت الانتباه إلى معاناتهم، وهي معاناة لا تختلف عن كثيرين في الأردن والعالم، مع فارق بسيط أن الإنسان في أماكن أخرى يبحث عن عمل لإعالة نفسه ولا يمل من طرق كل الأبواب ليعيش، ولكن الموت لدينا بات على ما يبدو وجها آخر للحياة!!!
أطفال يعذبون بأيدي آبائهم وأمهاتهم وأعمامهم وأخوالهم فيموتون من شدة التعذيب أو يحملون معهم ندوبهم مدى الحياة، وآخرون يختفون فنجدهم أمواتا في بئر ماء أو بركة مهجورة أو سيل لا يغرق قطة أو جثثا مسجاة في واد أو صحراء أو طريق عليها علامات تعذيب واغتصاب!!
رضع حديثو الولادة بات العثور عليهم في حاوية للقمامة أو على باب مستشفى أو بالقرب من مصرف صحي أو داخل بالوعة أو سلة مهملات مسألة لا يسبب الصدمة بقدر ما يثير الفضول لاكتشاف القصة وراءهم، فهل كانت الوالدة سيريلانكية أم أندونيسية؟ وهل كان الوالد مصريا أم باكستانيا أم أردنيا؟ وهل كانت العلاقة محرمة أم كان القتل انتقاما؟! وفي غمرة ذلك الفضول لمعرفة الخلفيات لا يتوقف أحد ليتعاطف مع أولئك الأطفال ولا تغمر الرعشة أجساد أولئك الباحثين عن القصة على المواقع الالكترونية وفي أبواب الصحف ولا نشعر بالصفعة الموجهة إلى وجه كل منا وبذنبنا الكبير كمجتمع لا يحمي أطفاله ولا يدافع عن حقهم في الحياة والنمو والحماية رغم كل الملابسات التي تصاحب ولادتهم!!
نساء يتعرضن للضرب بأيدي أزواجهن وإخوتهن وآبائهن لا لخطيئة اقترفنها بل لمجرد مخالفتهم الرأي، وأخريات حكم عليهن بمعاشرة سكارى يفطرن معهم على " قتلة" ويتعشين على أخرى!!
فتيات في عمر الزهور موقوفات إداريا في سجن النساء بلا ذنب ارتكبنه أو حكم قضائي ولكن لحمايتهن من انتقام العائلة، وأخريات ليس لهن مأوى أو ملاذ سوى دار الرعاية التي آوتهن حين كن صغيرات يعدن إليها لينمن في حديقتها فيقبض عليهن بتهمة الشجار مع المدير الذي يصر على طردهن لأنهن بلغن الثامنة عشرة ، وغيرهن يتعرضن لضرب مبرح وحرق بالمكواة وأعقاب السجائر وضرب بأسلاك الكهرباء فيقررن الهرب من الجحيم إلى زواج عرفي يوقعهن في جحيم آخر فيصبحن منبوذات منكرات من الأسرة التي تأبى حتى مجرد تكفيلهن!!
متسولات يبعن العلكة وأشياء أخرى، وأطفال تنتهك طفولتهم البريئة على أرصفة الشوارع وفي الأزقة الخلفية وفي الشقق المفروشة، ومصاصو دماء يجدون في كل أولئك فرصة سانحة لممارسة شهوات محرمة أو تجارة سوداء، في حين يغمض المجتمع عينيه الواسعتين ولا يفتحهما إلا على جيهان التي هاتفت قناة نورمينا لتصورها وهي تنتحر، وهيفاء وهبي التي أقامت حفل زفاف من ألف ليلة وليلة كلف مبلغا يكفي لإطعام ربع أطفال مصر الجياع ونصف أطفال لبنان!!!!
ما الذي يحدث لدينا؟!
كيف وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم، وإلى أين نحن متجهون؟!
هل يعقل أن تكون الحكومة أرحم بأطفالنا منا؟! هل يعقل أن يكون السجانون أقل بطشا ببناتنا منا؟! هل يعقل أن نتنكر لطفلة يتيمة أو لقيطة بعدما باتت في فورة العمر فنلقيها في الشارع ونمنعها حتى من النوم في الحديقة، في العراء، بلا فرشة أو غطاء، ثم لا نكتفي بذلك بل نبلغ عنها المتصرف والمحافظ ليتم إيداعها في سجن النساء؟!!
هل يعقل أن تحول الأم ابنها إلى قواد يحضر لها الرجال إلى عقر بيتها؟!! هل يعقل أن يستحيل الأب مصدر الحماية الوحيد للطفل إلى مصدر التهديد الرئيس له؟!! هل يعقل أن نبصر طفلا بوجه مغبر وملابس ممزقة وقدمين حافيتين فلا يخطر في بالنا سوى بضعة أفكار شيطانية؟! هل يعقل أن نستغل معاناة الفقيرات فنجبرهن على الرذيلة؟!! ألم يوصنا الرسول بالقوارير، فلماذا نبطش بهن ونعذبهن؟! لماذا نفرغ غضبنا وإحباطاتنا في أجساد تلكم الضعيفات؟!!
هذه إجراس إنذار، فلنقرعها قبل أن تقارعنا وتُقَرّعنا، ولنتعامل مع المسألة بجدية، ولننظر إلى ما هو أبعد من موطئ أقدامنا ولنتدارك الظاهرة قبل أن تتفاقم، فالتدخل المبكر لديه فرص أعلى للنجاح.
كلنا مسؤولون، وعلينا أن ننهض لتحمل مسؤولياتنا بالقلم واللسان واليد، وإلا فقدنا أهم ملامح إنسانيتنا: التعاطف، وأهم ملامح عقلانيتنا: الاستبصار والقرار والسلوك المسؤول، وأهم ملامح مجتمعنا: التكافل، وأهم ملامح عصرنا: الفعل السريع لاستباق الأزمات!!!
بقلم الدكتورة رلى الحروب[/align]