عرض مشاركة واحدة
قديم 07-28-2009, 01:53 PM   #1
المحكوم بالامل
[ نشمــي مهـــم]
 
الصورة الرمزية المحكوم بالامل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: كل قلوب الناس جنسيتي
المشاركات: 1,074
افتراضي الفوضى لا تحمي المغفلين، * خيري منصور

الفوضى لا تحمي المغفلين، * خيري منصور
مضى يومان فقط على قراءتي لما كتب فوكوياما عن السيد القانون ، وهو اهم بكثير من الكتاب الذي كان سببا في شهرته وهو نهاية التاريخ ، وجدت نفسي عند مخرج احد المولات مندهشا من مشهد الناس وهم يشتبكون على سيارات الاجرة فلا مراعاة لسيدة مسنة او حتى لطفل نائم على عربته الصغيرة ، وقررت على سبيل التجربة ان لا اشارك في هذا الاشتباك ، فوقفت ساعتين او اكثر اتذكر ما قرأته عن القوانين بدءا من حمورابي وقضاة الاغريق حتى فوكوياما.

فحين يكون القانون هو الحاكم الفعلي تتحقق العدالة او على الاقل القدر المعقول منها ، وحين يغيب تسود السوفسطائية ، التي يقول منظرها بروتو غراس ان الفرد هو مقياس الخير والشر ، وما يقوله فوكوياما عن الاحتكام للقوانين يكرس القناعة الانسانية بان القانون هو اهم وارقى انجاز بشري ، ومما تذكرته خلال تلك الساعتين ، موقف مر بي في باريس ، فقد نسيت نظارتي الطبية على رف في كشك تلفون عمومي ، وبعد اكثر من ساعة ، تذكرتها ، فاخبرت مرافقتي المترجمة وهي من اصل لبناني ، انني بحاجة الى نظارة جديدة ، لان القديمة التي نسيتها قد ضاعت الى الابد ، ضحكت المترجمة وقالت لي اراهنك انك سوف تجدها في مكانها ، ليس لان الفرنسيين قديسون او معصومون ، بل لان عقدهم الاجتماعي علمهم ان الامانة هي مستوى نبيل من المقايضة ، فهم لا يسرقون نظارتك الطبية اليوم كي لا تسرق علبة دواء منسية على الرف ذاته في الغد ، فالاخلاق ليست مفاهيم مجردة ، ان لها بعدا ارضيا وواقعيا ، منذ تلك اللحظة التي وجدت فيها نظارتي في مكانها ايقنت ان التثقيف الاخلاقي يجب ان يأخذ في الاعتبار ذلك البعد الواقعي ، حتى لو ظهر للبعض كما لو انه برغماتي.

القانون اضافة الى فضائله العديدة يختصر الوقت والجهد ، ومن اشتبكوا على سيارات الاجرة كان امامهم بديل اخر ، ايسر عليهم وعلى سائقي السيارات ، وهو ان يصطفوا في طابور ليأخذ كل منهم دوره.

هذا المثال قد يبدو عابرا ، ومنتزعا من تفاصيل حياة يومية يضيع فيها الكثير في الاشتباكات المجانية ، حيث يستخدم الناس عضلاتهم لا عقولهم ، وحيث يتدنى في مفهوم الكرامة والكبرياء ليصبح السطو على مقعد في سيارة انتصارا تدق له الطبول.

ان للقوانين ثقافة اخرى غير كتب القانون والبحوث الاكاديمية والاطروحات شبه السرية لفرط التخصص ، هذه الثقافة تورث جيلا بعد اخر ، وتصبح مبثوثة في كل تفاصيل الحياة ويمارسها الناس دون عناء كما لو انهم يتنفسون بارتياح ، وثمة فرق كبير بين من لا يكذب خوفا من العصا وبين من لا يكذب لانه لا يريد لاحد ان يكذب عليه ، واخر ما تذكرته وانا واقف عند مخرج المول هو قصة طالما قفزت الى ذهني في مثل هذه المناسبات ، كتبها الفرنسي البير كامو عن ايام الغزو والمقاومة في الجزائر ، وانتهت في عبارة تقطر المسألة كلها.. فحين كذب احد الجزائريين على ثائر سأله عن طريق يخلو من الكمائن ، استيقظ من النوم مذعورا ، وقد غطت جدران غرفته عبارة ذات مغزى عميق ، هي ويلك ، لقد سلمت اخاك.. وجميعنا سوف ندفع الثمن..

نعم ، جميعنا سوف ندفع الثمن ، الغني والفقير والعالم والجاهل والكبير والصغير ، لان الاصابات العابرة بمرض ما عندما تتحول الى وباء لا سبيل الى النجاة ، ومن يتوهم بانه تضرر من تطبيق القوانين عليه في لحظة ما سوف يقدم لها الامتنان والعرفان في لحظات اخرى..،

__________________

ما الذي ينقُصُني
مادامَ عِـندي الأمَـلُ ؟
ما الذي يُحزنُني
لو عَبسَ الحاضِـرُ لي
وابتسَـمَ المُسـتَقبَلُ ؟
أيُّ مَنفى بِحضـوري ليسَ يُنفى ؟
أيُّ أوطـانٍ إذا أرحَلُ لا ترتَحِـلُ ؟!
**
أنَـا وحـدي دَوْلَـةٌ
مادامَ عِنـدي الأمَـلُ.
دولـةٌ أنقى وأرقـى
وستبقـى
حينَ تَفـنى الدُوَلُ !
المحكوم بالامل غير متواجد حالياً