عام على غيابه : محمد طمليه .. الكاتب الضدّ
* سامية العطعوط
لا أدري كيف شعرت بمرور حوالي العام على وفاته دون حاجة لتقويم هجري أو ميلادي، محمد طملية الكاتب الضّد.. وربما الكاتب الفذّ ، وربما الكاتب الذي مات مقتولاً بجرعة زائدة من الحنين لحبْ لا يتحقق ورؤى لا تسعها العبارات ، وسفن لا تعيد البحّارة إلى شواطئهم البعيدة ، بل تمخر دوماً نحو المجهول وربما نحو شواطىء لا تتحقق.. مات مقتولاً بجرعة زائدة من وجع الحياة وقهرها ، حتى رأى موته بأمّ عينيه ، وليس كما مات مايكل جاكسون بجرعة زائدة من المهدئات،.
لم يكن طمليه كاتباً ضداً أو كاتباً فذّاً فقط ، بل كان الكاتب المتحوّل من طفلْ يخبىءُ حذاءه الكبيرَ لشتاءْ قادمْ في أبو ترابة ، إلى نشيدْ حزينْ يرقى لأنشودةً المطر.. حتى رحل ذات يوم مطراً صاخباً يقفوه الضجيج.. قبل رحيله ، كتب طمليه الكثير عن مرضه ، عن لسانه وأمعائه ، عن حبيبته وبيته ، عن أوجاعه وعن الخوف الذي كان يسكنه والدهشة التي كانت تعتريه كلما اكتشف كم مرّت الحياة سريعا من هنا.. كم مرّت سريعا دون أن يتحقق ذلك الوميض الذي تمنّى رؤيته.. أو ذلك الحدث الذي كان يتوقعه دون أن يعرفه ، وينتظر حدوثه دون جدوى. وفي الحقيقة ، لا أدري من هو "الكاتب الضدّ" تحديداً ، لكنني اقترحت هذه الصفة لطمّليه.. لأنه كان ضدّ كل شيء ، بدءاً بالسلطة بكافة أنواعها الحزبية والسياسية والثقافية والعائلية وليس انتهاء بالقرى الفقيرة بالمواد الغذائية والخدمات الأساسية ، والمدن الفقيرة بالعلاقات الإنسانية.. لكن أقسى ما في الأمر أنه كان ضدّ نفسه.. كان ضدّ حياته الأولى التي ارتكبها على حين غفلة ، وضدّ حياته الثانية التي غرّرت بشبابه فحاد عن الدرب ، وضدّ حياته الثالثة أيضاً.. حياته التي أودت به إلى المجهول.. كان ضدّ ماضيه وحاضره ومستقبله.. كان يحلم بذاك الضوء الساطع ، بالوميض الذي يخطف الأبصار ويغيّر المصائر ، لكنه كلما شعر بأنه يلمحه اكتشف أنه كان سراباً.
من هو محمد طمليه؟ هل هو ذلك العاشق الذي برّح الحبّ قلبه أم المناضل الذي غرّرتْ به الحياة ، أم هو الروح المتعبة في عذاباتها الوجودية والمادية؟ لم يكن محمد طمليه القاص الجميل فقط ، بل كان الكاتب الساخر بامتياز. الكاتب الذي استطاع أن يرسم الابتسامات على وجوه قرائه مهما اختلفت أعمارهم وطبقاتهم وخلفياتهم الثقافية ، بل واستطاع أن ينتزع القهقات من أعماقهم.. ومع ذلك ، فإن أكثر ما يلفت النظر في كتابه "إليها بطبيعة الحال" ، هي تلك النبرة الحزينة التي كانت تنضح من ثنايا السطور ، وتستقرّ في أعماقه ، كأقسى ما يكون.. تلك النبرة التي لا تشي بشيء أكثر من الندم على عمر ضاع هباء منثوراً.
هل كان محمد طمليه كاتباً ساخراً في كتاباته الأخيرة؟ ربما.. ولكنها كانت السخرية السوداء المريرة ، السخرية التي تسخر من الألم وتسخر من بدر ملقى في حفرة.. من ثلج لم يهطل.. من المرض ونوبات السعال.. من قسوة الحياة. إنها السخرية الضدّ ، الموجهة للذات كي تزيد في عذاباتها.. إنها صرخة الذكر الذي أنجب جيلاً من الأسى ودمعه (فلذات أكباده) تمشي على خده.. ولكنه لا ينهره ، بل يركع على الأرض ليستسقي المزيد،.
كانت سخريته في كتاباته الأخيرة مبللة بالندم على ما فات وعلى ما سيأتي..،.
رحمه الله.
ہ قاصة وكاتبة أردنية
date : 09-10-2009
التاريخ : 09/10/2009